الجصاص
458
أحكام القرآن
السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) [ الأنفال : 11 ] روي أنهم أصابتهم جنابة ، فأنزل الله مطرا فأزالوا به أثر الاحتلام . والمفروض من غسل الجنابة إيصال الماء بالغسل إلى كل موضع يلحقه حكم التطهير من بدنه ، لعموم قوله : ( فاطهروا ) . وبين النبي صلى الله عليه وسلم مسنون الغسل ، فيما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا علي بن محمد بن عبد الملك قال : حدثنا محمد بن مسدد قال : حدثنا عبد الله بن داود عن الأعمش عن سالم عن كريب قال : حدثنا ابن عباس عن خالته ميمونة قالت : " وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا يغتسل من الجنابة ، فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثا ، ثم صب على فرجه بشماله ، ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه ، ثم صب على رأسه وجسده ، ثم تنحى ناحية فغسل رجليه ، فناولته المنديل فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده " . وكذلك الغسل من الجنابة عند أصحابنا . والوضوء ليس بفرض في الجنابة لقوله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) ، وإذا اغتسل فقد تطهر وقضى عهدة الآية ، وقال تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) [ النساء : 43 ] إلى قوله : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) [ النساء : 43 ] ، فأباح الصلاة بالاغتسال من غير وضوء ، فمن شرط في صحته مع وجود الغسل وضوءا فقد زاد في الآية ما ليس فيها ، وذلك غير جائز لما بينا فيما سلف . فإن قيل : قال الله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) الآية ، وذلك عموم في سائر من قام إليها . قيل له : فالجنب حين غسل سائر جسده فهو غاسل لهذه الأعضاء فقد قضى عهدة الآية لأنه متوضئ مغتسل ، فهو إن لم يفرد الوضوء قبل الاغتسال فقد أتى بالغسل على الوضوء لأنه أعم منه . فإن قيل : توضأ النبي صلى الله عليه وسلم قبل الغسل . قيل له : هذا يدل على أنه مستحب مندوب إليه ، لأن ظاهر فعله لا يقتضي الإيجاب . واختلف الفقهاء في وجوب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والثوري : " هما فرض فيه " . وقال مالك والشافعي : " ليس بفرض فيه " . وقوله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) عموم في إيجاب تطهير سائر ما يلحقه حكم التطهير من البدن ، فلا يجوز ترك شئ منه . فإن قيل : من اغتسل ولم يتمضمض ولم يستنشق يسمى متطهرا ، فقد فعل ما أوجبته الآية . قيل له : إنما يكون مطهرا لبعض جسده ، وعموم الآية يقتضي تطهير